ما المقصود بالثقافة الاقتصادية ؟!..


"الثقافة الاقتصادية"، تعبير أو مصطلح يبدو غريباً علينا، ويتساءل البعض منا ما هي علاقة الثقافة بالاقتصاد؟!. إلا أن الأمر عندما تخضعه للدراسة يصبح بديهياً لدرجة عضوية لا فكاك فيها بين علم الاقتصاد والثقافة. فقد عقد الكثير من الناس في الماضي على أن التنمية الاقتصادية تعتمد على الإصلاح، والعلم والتكنولوجيا، لكن في الوقت الحاضر يجب إضافة عامل الثقافة. وإضافة هذا العامل عدّ أساسياً في عملية تطوير أي بلد أو قومية أو حكومة، وأن الوعي الثقافي وثقافة الثقة بالنفس هي الخطة الأبرز لتقدم ثقافة أي نظام في العالم.

وجاء بأن التنمية الاقتصادية تبدأ من عربتين اثنين اعتمادها على الإصلاح والتكنولوجيا لتصل إلى اعتمادها على الثقافة. وهي العربة الثالثة وذلك لتعزيز التنمية الاقتصادية، وهي الأهمية السامية للوعي الثقافي. فيعاد طرح السؤال لماذا التنمية الاقتصادية تعتمد أيضا على الثقافة؟!.

ودعونا أولاً نوضّح ما هي الثقافة؟. الثقافة هي مجموع العقائد والقيم التي يمتثل لها أفراد المجتمع، وهي روح الأمة وعنوان هويتها. وهي من الركائز الأساس في بناء الأمم وفي نهوضها، فلكل أمة ثقافةٌ تستمد منها عناصرها ومقوماتها وخصائصها، وتصطبغ بصبغتها، فتنسب إليها. والثقافة هي القوة الروحية التي تحافظ على الوحدة والانسجام الاجتماعي، وهي التي تشكل الرابط الروحي في هذه البيئة. ويقول المثل الصيني"الثقافة هي روح الشعب، وروح الدولة تصبّها الثقافة ". كما أن الثقافة هي القدرات الحسية الخفية، والمفاهيم غير الملموسة التي تؤثر تأثيرا عميقا في الوجود المادي والواقع الملموس، والإنتاج وحياة الإنسان. كما تؤدي الثقافة دورا هاما في تشجيع الإنسان على تحقيق أحلامه.

وفي مراجعة للاقتصاديات بعض البلدان التي اعتمدت على روح الثقافة، ومنها الصين، نلاحظ أن التنمية الثقافية ساهمت مساهمة قوية ومباشرة في النمو الاقتصادي. كما أن ظهور عصر النهضة الأوروبية في القرن 14 قد كان من خلال الابتكارات الجديدة، الازدهار الثقافي، انحلال الإقطاع، انتعاش التجارة وازدهار المدن التجارية الأوروبية. وتبيّن أن الاقتصاد الذي يعتمد على روح الثقافة، فإن التنمية الاقتصادية يمكنها أن ترتقي إلى أعلى المستويات، ويمكنها الحصول على التنمية المستدامة. فعلى سبيل المثال، تمثل صناعة الثقافة في أميركا أكثر من 25% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي ثاني أكبر صناعة بعد صناعة الأسلحة. وفي البلدان المتقدمة عموماً فإن صناعة الثقافة تمثل 10% أو أكثر من نسبة الناتج المحلي الإجمالي، وأصبحت العمود الفقري والمحرك الحقيقي.

والثقافة الاقتصادية تحسّن طرق تعامل المواطن مع التطورات السريعة والكبيرة في عالم الاقتصاد في جميع الانشطة مثل حركة الاستثمار والادخار واستخدام البطاقات الائتمانية والدخول في أسواق رأس المال والمضاربة بالاسهم والسندات.. الخ.  كما أن الثقافة الاقتصادية تساعد المواطن على اختيار الفرص المهمة للاستثمار لمدخراته وتنميتها. وتساعد الثقافة الاقتصادية على فهم العلاقات التجارية الخارجية وحركة الاستيراد والتصدير وتاثيرات السياسة الضريبية والجمركية على ذلك. وتساعد الثقافة الاقتصادية على فهم التطورات الحديثة في عالم الاتصالات والتواصل مع العالم الخارجي وعملية فتح الاعتمادات والمضاربة بالاسهم والسندات في الأسواق المالية الدولية.

يتمكن المواطن الذي يتمتع بثقافة اقتصادية من التحوّط للأزمات الاقتصادية مثل ارتفاع الأسعار والانهيارات في أسواق البورصات.. الخ.. والتعامل معها بأقل الخسائر. والأهم من ذلك أن الثقافة الاقتصادية تحوّل النزعة الاستهلاكية إلى النزعة الإنمائية عند المواطن من خلال ادخار جزء من دخله لاستثماره في مجالات تحقق له تطورا في مستوى حياته. في ضوء ذلك، نرى للثقافة الاقتصادية دورا مهما في توعية الفرد نحو التطورات الواسعة في عالم الاقتصاد والأعمال لكي يتمكن من التعامل مع هذه التطورات ويساهم فيها وصولا إلى تنمية المجتمع بأكمله وتحقيق تقدمه الاقتصادي. لأنه لا يمكن لأي نماذج للنمو الاقتصادي أن تنمو من دون أن تكون هناك ثقافة اقتصادية لدى أفراد المجتمع للتعامل مع هذه النماذج التنموية.

لو افترضنا أن التنمية تعني جهدا واعيا ومخططا من أجل توسيع الخيارات أمام كل إنسان لتوفير حياة أفضل له. فإن الثقافة تعدّ عنصرا فاعلا ومؤثرا في إنجاح برامج التنمية. فالثقافة تؤدي دورا مهما بالنسبة لسلوك الإنسان والتقدم الذي يحققه على المستوى الشخصي ومن ثم على المستوى الجمعي,  ولذا فإن دور الثقافة في التقدم الاقتصادي والاجتماعي ليس موضع تساؤل, فلا بد من الاعتراف بالبعد الثقافي ضمن منوال التنمية.

وهذا البعد الجمعي للثقافة قد يجعل كل أمة تتصف بسمات تميّزها عن الأمم الأخرى, فمثلا يتصف الغرب بصفة الانضباط وهو أمر مهم لنجاح التصنيع الذي يعتمد على خطوات مرتبة في الإنتاج. أما العرب فإن ثقافة العلاقات الشخصية وعدم فصلها عن العمل قد تكون ساهمت في جعل التجارة أحد النشاطات التي برزوا فيها تاريخيا والتي ساهمت في نشر الإسلام في آسيا. فلن تستطيع الثقافة أن تقدم من تلقاء نفسها النتائج الايجابية, فمثل هذه النتائج تتوقف على قدرة المجتمعات على الاستثمار في الثقافة وتدعيم وظيفتها وتعزيز مكانتها ودورها في التنمية. إهمال هذه الثقافة وضعف الاستثمـــار فيها, يشكـل عوامـل رئيسيـة في إعـاقـة التنمية. من هذا المنظور يمكن القول إن التنمية الثقافية هي شرط للتنمية الاقتصادية بقدر ما هي مشروطة بها، وتالياً لا يمكن تحقيق تنمية اقتصادية بدون أن تواكبها منذ البداية تنمية ثقافية تمهّد لها وتساهم في استدامتها والمحافظة على مكتسباتها.

وهناك نوع من الاتفاق على أن القيم الثقافية ليست جامدة ويمكن أن تتغير، وإن كان ذلك يتم ببطء في أغلب الحالات، وأن المواقف والاتجاهات الثقافية أكثر قابلية لتغيير أسرع. وهناك من الباحثين المعروفين مثل "لورنس هاريسون" من يعتقد أن من الأسباب الرئيسية لتخلف العالم الثالث هو فشل الحكومات ومؤسسات التنمية في أن تأخذ في الحسبان قوة الثقافة بصفتها عاملاً مؤثراً يمكن أن يساعد على التقدم أو يعرقله. ولا شك أن الاتجاهات، والقيم، والمعتقدات التي يشار إليها أحيانا مجتمعة بمصطلح الثقافة، تؤدي دورا بالنسبة للسلوك الإنساني والتقدم. ذلك أمر لا ينكره حتى أصحاب وجهات النظر المعارضة. غير أنهم يرون بأنه، على الرغم من أن دور الثقافة في التقدم الاقتصادي والاجتماعي ليس موضع تساؤل، إلا أن فهم هذا الدور وتفسيره في إطار يشمل عوامل ومؤثرات أخرى وعزل تأثير دور الثقافة هو أمر يمثل تحدياً.

والأهم من ذلك، ففي العصر الحاضر، اتجهت الثقافة الاقتصادية اتجاها جديداً لا يقاوم. ومع تنمية الاقتصاد الحديث، وخاصة الاقتصاد القائم على المعرفة والإبداع، فقد ازدادت العوامل الثقافية في الاقتصاد، والعوامل الاقتصادية المتنامية في الثقافة أيضاً. ولتفاعل الثقافة والاقتصاد أثر كبير على التنمية التكافلية للعلوم والتكنولوجيا. كما أن ثقافة القوة الناعمة هامة جدا لتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهي مقياس ومؤشر هام للثقافة الاجتماعية وقوتها. ويمّ التأكيد على أنه لن يتقدم الاقتصاد خطوات بعيدة إذا ما تطورت الثقافة. وهنا يقول "ألفن توفلر"، كاتب ومفكر أميركي وعالم في مجال دراسات المستقبل :"إن الدول التي لها ثقافة ستزدهر اقتصاديا عاجلا أم آجلا، في حين أن الدولة المزدهرة اقتصاديا تشهد تطويرا سريعاً في الثقافة".

في هذا الاقتصاد الحديث، تمارس فيه ضغوط قوية على المجتمعات لتبني قيم واتجاهات تتواءم مع النموذج الإنتاجي السائد. إذ كثيرا ما تتضمن الدراسات التاريخية عروضا غنية حول تأثير الاتجاهات والخواص الثقافية على المجتمعات وسبل تقدمها وتنميتها، وذلك لأن هذه الخواص والصفات استمرت تاريخيا وأثرت تأثيرا كبيرا على التشكيل والصياغة الاقتصادية لهذه المجتمعات. أما في الظروف الحاضرة، فيمكن القول، بأن الأفكار الاقتصادية، وضغوط السوق العالمي قد تؤدي إلى انكماش مدى المجال المتاح أمام العوامل الثقافية لكي تمارس تأثيرها على السبل والتوجهات الاقتصادية التي تختارها المجتمعات.

هذا التقارب المتزايد والالتقاء حول نموذج معين للكفاءة والإنتاجية، يؤدي إلى ضغوط كبيرة على البلاد التي تفشل في تقبله وتبنيه. السياسات الاقتصادية والأداء الاقتصادي هي الآن موضع قياس ومقارنة بين البلاد المختلفة، والأسواق المالية تعاقب البلاد التي لا تتبنى سياسات تراها سليمة ومقبولة، ومنابع الاستثمار الأجنبي قد تجف حين لا تتوفر الأجواء المناسبة له، والقادة السياسيون هم الآن في موضع المساءلة من طرف قوى اقتصادية حتى حين لا يتمكن مواطنوهم من إخضاعهم لمثل هذه المساءلة. كما أن التقدم التقني السريع يزيد أيضا من تكلفة العزلة والتردد في قبول الممارسات العالمية والنموذج السائد، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من شدة ضغوط هذه القوى السائدة في هذا الاقتصاد الحديث ويجعل تجاهلها أمرا صعبا.

يرى "مايكل بورتر" أن ما نشاهده هو ظهور أسس ثقافية اقتصادية عالمية تعبر الحواجز التقليدية بين الثقافات لتصبح ظاهرة مشتركة. إن هناك مجموعة من المعتقدات، والاتجاهات، والقيم التي لها علاقة بالاقتصاد سوف تكون عامة مشتركة، أما الجوانب الثقافية التي يتضح ضعفها وقلة إنتاجيتها، فسوف تتهاوى تحت ضغط الاقتصادي العالمي وأمام الفرص التي يوفرها. ومع ذلك فسيظل للثقافة دورها المهم في تحقيق الرفاهية الاقتصادية، وربما يكون هذا الدور اگثر إيجابية.

إن الجوانب الفردية في كل مجتمع والتي تكون مصدراً لحاجات ومهارات، وأساليب للعمل، وقيم غير عادية ستصبح هي الجوانب المميزة للثقافة الاقتصادية… «هذه الجوانب المنتجة في الثقافة مثل شغف كوستاريكا بظواهر البيئة، والولع الأميركي بالجوانب العملية والمريحة، والياباني بالألعاب والرسوم المتحركة، سوف تصبح مصادر في غاية الأهمية لميزات تنافسية يصعب تقليدها، مما يؤدي إلى أنماط جديدة من التخصص العالمي حيث تنتج البلاد وبصفة متزايدة السلع والخدمات التي تمنحها ثقافتها ميزة خاصة للتفوق في إنتاجها»

وليس هناك شك في أذهان الباحثين الذين يؤكدون على أهمية دور الثقافة في التنمية أن عملية التغيير الثقافي لخدمة أغراض هذه التنمية، سوف لن يكون أمرا سهلا. نحن في حاجة إلى فهم أعمق لعدد من القضايا المهمة، إذا كان الهدف هو الوصول لإيجاد نظريات متقدمة، وتوجيهات عملية، وعلاقات مهنية وطيدة بين الدارسين للثقافة، وبين هؤلاء الذين يرسمون سياسات التنمية ويقومون على تنفيذها.

ولا شك أن التوجه إلى الاهتمام بدور الثقافة، كعامل أساسي يؤثر على التنمية الاقتصادية والاجتماعية في العالم العربي والإسلامي، هو توجه صحيح وجدير بالتشجيع. ولا نظن أن هناك خلافاً كبيراً حول أهمية هذا الدور في تخلف هذه المنطقة بالذات. وربما تكون هذه الأهمية هي أكثر وضوحا في هذه المنطقة من غيرها من مناطق العالم فليس من الممكن مثلا إرجاع الركود والتخلف في شمال إفريقيا والشرق الأوسط إلى عوائق الجغرافيا والمناخ. فهي منطقة معتدلة المناخ، غنية بسواحلها الممتدة وانفتاحها على الخارج. ومن الصعب أيضا أن نرجع تخلف المنطقة إلى عوامل اقتصادية بحتة، كقلة توفر الثروات الطبيعية، أو ندرة رأس المال مثلا، ويكفي أن نشير هنا إلى فترة «الوفرة النفطية» في كثير من بلاد المنطقة، بل يتعلق الأمر بدرجة أولى باعتماد الثقافة المعرفية جزءاً لا يتجزأ من الرؤية الاقتصادية لأي بلد.
زينب الطحان




أضيف بتاريخ :2015/11/01عدد قراءات المقال : 1659




تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد